• ×

12:39 مساءً , الثلاثاء 25 يوليو 2017

سدُّ النهضة: أضواءٌ على الاجتماعِ الوزاري الرابع ووثيقةِ الخرطوم

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
1
التأم بالخرطوم خلال أيام الأحد والأثنين والثلاثاء السابع والعشرين وحتى التاسع والعشرين من شهر ديسمبر عام 2015 الاجتماع الرابع لوزراء الخارجية ووزراء المياه في كلٍ من إثيوبيا ومصر والسودان لمناقشة المسائل العالقة بين الأطراف الثلاثة حول سدِّ النهضة. وقد كان ذلك الاجتماع مواصلةً لاجتماع الوزراء الستّة الثالث والذي انعقد يومي 11 و12 من ديسمبر، أي قبل أسبوعين من ذلك الاجتماع، بالخرطوم أيضاً. وقد أصدر الوزراء الستّة مساء يوم الثلاثاء 29 ديسمبر 2015، ووقّعوا على بيانٍ (تمّت تسميته بـ "وثيقة الخرطوم")، أكّدوا فيه التزامهم باتفاق إعلان المبادئ حول سدِّ النهضة المُوقّع في شهر مارس عام 2015 (كما سنناقش لاحقاً في هذا المقال).
وافق الوزراء أيضاً على ترشيح لجنة الخبراء الوطنية لبيت الخبرة الفرنسي "أرتيليا" والذي سيحلُّ محلَّ بيت الخبرة

الهولندي "دلتاريس." وبموجب تلك الموافقة فإن بيتي الخبرة اللذين سوف يقومان بالدراستين الخاصتين بسد النهضة وتأثيراته (كما سنناقش لاحقاً) هما ”بي آر ال”، و"أرتيليا" الفرنسيين، على أن يقودَ الأولُ العملَ في الدراستين، بمساعدة الثاني.
كما أقرَّ الوزراءُ اختيارَ مكتبِ المحاماة الإنحليزي "كوربيت وشركاؤه" لصياغة العقود بين الشركتين ولجنة الخبراء الوطنية، وللمساعدة في المتابعة، وللإشراف القانوني، على الدراستين. وكوربيت وشركاؤه هو مكتب محاماة عالمي متخصّصٌ في عقود البنية التحتية وحلِّ المنازعات الدولية عن طريق الوساطة.

حدّد البيانُ المدةَ الزمنية لتنفيذ الدراستين بين ثمانية أشهر إلى عام. وسوف يتمُّ تمويل الدراستين وتكلفة مكتب المحاماة بالتساوي بين الدول الثلاثة. كما اتفق الوزراء الستة على عقد جولةٍ جديدة من المباحثات في الأسبوع الأول من شهر فبراير القادم، يشارك فيها الوزراء الستة، لمتابعة تنفيذ ما تمّ الاتفاق عليه في وثيقة الخرطوم، ومعالجة أيّةِ عوائق تكون قد أطلّت برأسها من جديد.
يأتي اجتماع الخرطوم الثلاثي الرابع وبيانه الختامي المتمثّل في وثيقة الخرطوم على خلفيّة مجموعةٍ من التطوّرات الخاصة بسد النهضة ومياه النيل خلال العام 2015. ويمكن إيجاز تلك التطورات في الآتي:

2
أولاً: وقّعتْ الدولُ الثلاثة على "اتفاق إعلان مبادئ حول مشروع سد النهضة الإثيوبي" في 23 مارس عام 2015. وتمّ التوقيع بواسطة رئيسي الجمهورية المصري والسوداني، ورئيس الوزراء الإثيوبي، أنفسهم، وليس بواسطة وزراء الخارجية أو الري. وقد نصّ الاتفاق في مادته الثانية على أن "الغرض من سد النهضة هو توليد الطاقة، المساهمة في التنمية الاقتصادية، الترويج للتعاون عبر الحدود والتكامل الإقليمي من خلال توليد طاقة نظيفة ومستدامة يعتمد عليها." عليه فقد أنهى الاتفاق حالة الارتباك المصرية السودانية تجاه سد النهضة، وأوضح قبول الدولتين صراحةً لقيام سد النهضة الإثيوبي، وكذلك أغراض السد.

كما نصّت المادة الأولى من اتفاق إعلان المبادئ على مبدأ "التعاون في تفهّم الاحتياجات المائية لدول المنبع والمصب بمختلف مناحيها" مُنهيةً بذلك الجدل القانوني بين الدول الثلاثة (ودول حوض النيل الأخرى) حول ملكية مياه النيل، ومرسّخةً لمبدأ الانتفاع المنصف والمعقول لكل دول الحوض. وهذا هو المبدأ الأساسي للقانون الدولي المياه.
وكما ذكرنا أعلاه فقد نصّتْ وثيقة الخرطوم على التزام الدول الثلاثة باتفاق إعلان المبادئ حول سد النهضة، ووضعتْ وثيقةُ الخرطوم بذلك حداً للشائعات التي كانت قد أشارتْ إلى أن مصر على وشك اتخاذ إجراءٍ بالانسحاب من اتفاق إعلان المبادئ.

3
ثانياً: نصّتْ المادة الخامسة من اتفاق إعلان المبادئ على: "تنفيذ توصيات لجنة الخبراء الدولية، واحترام المخرجات النهائية للتقرير الختامي للجنة الثلاثية للخبراء حول الدراسات الموصى بها في التقرير النهائي للجنة الخبراء الدولية خلال المراحل المختلفة للمشروع." وكانت الدول الثلاثة قد اتفقت على القيام بدراستين. تعنى إحدى هاتين الدراستين بموارد المياه ونموذج محاكاة نظام هيدروكهربائية، بينما تعنى الدراسة الثانية بتقييم التأثير البيئي والاجتماعي والاقتصادي لسد النهضة على السودان ومصر. اختارت الدول الثلاثة في شهر أبريل عام 2015 بيت الخبرة الفرنسي "مجموعة بي آر ال"، يعاونه بيت الخبرة الهولندي "دلتاريس"، للقيام بالدراستين، تحت إشراف اللجنة الثلاثية للخبراء، والتي أصبح اسمها "لجنة الخبراء الوطنية."

غير أن الخلافات سرعان ما دبّت بين الأطراف الثلاثة، وبين بيتي الخبرة نفسيهما، حول تفاصيل مرجعيات الدراستين، ودور كلٍ من بيتي الخبرة في هاتين الدراستين. فبينما رأت مجموعة بي آر ال أن دورها قيادي، وأن مهمة بيت الخبرة الهولندي دلتاريس هي مساعدتها في القيام بالدراستين، كان بيت الخبرة الهولندي يطالب بدور الشريك وليس المساعد في إعداد الدراستين. احتدم الجدل بين الأطراف الخمسة، وبين مسئولي بيتي الخبرة نفسيهما، ودفع ذلك بدلتاريس إلى الانسحاب من برنامج إعداد الدراستين في نهاية شهر أكتوبر عام 2015. وعادت الخلافات بين مصر وإثيوبيا حول السد إلى واجهة الأحداث مرةً أخرى.

4
ثالثاً: واصلتْ إثيوبيا في تلك الأثناء بناءَ سد النهضة، وأعلنت في شهر نوفمبر عام 2015 أنها قد أكملتْ أكثر من خمسين في المائة من أعمال السد. كان واضحاً أن إثيوبيا تراهن على عامل الزمن، وأن الزمن ظلّ في حقيقة الأمر إلى جانبها. من الجانب الآخر ظل رهان مصر على أن إثيوبيا لن تستطيع وحدها تحمّل تكلفة بناء السد الكبيرة والبالغة قرابة الخمسة مليار دولار، وأن العمل سوف يتوقّف، عاجلاً أم آجلاً، بدون تمويلٍ خارجي. غير أن السنوات الماضية لم تدعم ذلك الرهان. وواصلتْ وتواصل إثيوبيا تحمّلَ تكلفة بناء السد من مواردها الوطنية، ودون تمويلٍ خارجي. ويُتوقّع أن يكتمل بناء السد عام 2017، ويكون أكبرَ سدٍ في أفريقيا، والعاشر في العالم.

5
رابعاً: أعلنتْ إثيوبيا في 25 ديسمبر عام 2015 أنها قد أعادتْ النيل الأزرق إلى مجراه الطبيعي بعد اكتمال الأعمال الخرسانية لسد النهضة. وكانت إثيوبيا قد أعلنت في 28 مايو عام 2013 أنها قد قامت بتحويل النيل الأزرق من مجراه الطبيعي إلى مجرى اصطناعي لكي تقوم ببناء السد على المجرى الطبيعي للنهر (مثله مثل أي سدٍ آخر). وقد احتجّتْ حكومة الرئيس المصري السابق الدكتور محمد مرسي على ذلك القرار الإثيوبي، ودعتْ كلَّ الأحزاب السياسية المصرية إلى اجتماعٍ عاجلٍ مشترك. تحدث المشاركون في ذلك الاجتماع عن خيار الحرب ضد إثيوبيا، وعن عملٍ عسكري لوقف بناء السد، وعن الدعم العسكري للمعارضة الإثيوبية. لم يكن المشاركون في ذلك الاحتماع على علمٍ أن الاجتماع كان مذاعاً على الهواء، وأن ما دار فيه من نقاشٍ وآراء قد أصبح متاحاً في عددٍ من المواقع الإسفيرية.

وقد أوضحَ قرارُ إعادة النيل الأزرق إلى مجراه الطبيعي أن بناء سد النهضة قد قطع شوطاً متقدّماً، وأن السد قد أصبح في حقيقة الأمر واقعاً يجب التفاوض بجدّية، وعلى وجه السرعة، حول آثاره ومنافعه. كما لا بُدَّ من الإشارة إلى أن المادة الخامسة من اتفاق إعلان المبادئ تشير إلى إعداد الدراسات "بالتوازي مع عملية بناء السد."

6
أعادتْ هذه التطوراتُ، والجدلُ حول سد النهضة، التفاوضَ إلى النقطة التي كان مُفترضاً أن يبدأ منها في عام 2011 عند شروع إثيوبيا في بناء السد. وهذه النقطة هي: ما هي المدة التي ستملأ فيها إثيوبيا بحيرة سد النهضة والتي تبلغ سعتها حوالي 74 مليار متر مكعب، وما هي كمية المياه التي سيتحمّل فقدانها كلٌ من مصر والسودان خلال سنوات ملء بحيرة سد النهضة؟
وقد فتح هذا السؤالُ البابَ واسعاً على حقيقةِ أن السودان قد فشل خلال الستةٍ وخمسين عام الماضية في استخدام نصيبه من مياه النيل والتي تبلغ بمقتضى اتفاقية مياه النيل لعام 1959 بين مصر والسودان 18,5 مليار متر مكعب. وكما ناقشنا مراراً من قبل، فإن متوسط استخدامات السودان على مدى السنوات منذ عام 1959 وحتى اليوم لم يزد عن 12 مليار متر مكعب في العام. وهذا يعني أن السودان قد فشل في استخدام ستة مليار ونصف المليار متر مكعب من مياه النيل كل عام منذ عام 1959 وحتى اليوم (أي أكثر من 350 مليار متر مكعب خلال هذه السنوات). وقد ظلّت هذه المياه تعبر حدود السودان شمالاً، وأصبحت جزءاً من الاستخدامات المصرية لمياه النيل منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم.

7
يثير فشلُ السودان في استخدام نصيبه من مياه النيل عدداً هاماً من الأسئلة الصعبة والمعقّدة:
أولاً: ترى هل سيعرض السودان كمية المياه التي ظلّ يفشل في استخدامها كل عام على إثيوبيا للمساهمة في ملء بحيرة سد النهضة مقابل كهرباء السد؟
ثانياً: هل ستقبل إثيوبيا بمناقشة هذا العرض التفاوضي، أم سترفض ذلك لأنه سيمثّل اعترافاً منها باتفاقية مياه النيل لعام 1959 والتي رفضتها إثيوبيا وندّدت بها منذ عام 1959؟
ثالثاً: هل تنظر مصر إلى حقوقها من مياه النيل على أنها 55,5 مليار متر مكعب بمقتضى اتفاقية مياه النيل، أم ستصرُّ مصرعلى استخداماتها التي تجاوزت 65 مليار متر مكعب، وشملت ما فشل السودان في استخدامه من نصيبه من مياه النيل؟ (وشملت إضافةً إلى ذلك الزيادة الكبيرة في منسوب نهر النيل على مدى السنوات الخمسين الماضية).
هذه أسئلةٌ صعبة محورها الأساسي هو كمية المياه التي فشل السودان في استخدامها من نصيبه من مياه النيل بمقتضى اتفاقية عام 1959 الثنائية بين مصر والسودان.

8
أوضح اتفاقُ إعلان المبادئ أن الغرض من سد النهضة هو توليد الكهرباء وليس الري. عليه فإنه بمجرد ملء يحيرة السد فلن تحتاج إثيوبيا لأية مياه إضافية، بل ولن تستطيع إثيوبيا تخزين أية مياه إضافية بعد أن تمتلئ البحيرة.
تبلغ الطاقة التصميمية للسد 6000 ميقاواط من الكهرباء. وقد أوضحت المادة السادسة من اتفاق إعلان المبادئ أنه سيتم إعطاء مصر والسودان الأولوية في شراء الطاقة المولّدة من سد النهضة. جديرٌ بالذكر أن السودان يشتري حالياً 250 ميقاواط من الكهرباء سنوياً من إثيوبيا. رغم هذا فإن السودان ما يزال يواجه عجزاً كبيراً في الطاقة الكهربائية.

وتشمل فوائد سد النهضة على السودان (كما أوضحنا في مقالاتٍ سابقة) إنهاء الفيضانات، وتنظيم انسياب النيل الأزرق طوال العام، مما سينتج عنه زيادة الدورات الزراعية وانتظام التوليد الكهربائي في السودان. وتشمل الفوائد أيضاً حجز سد النهضة للكميات الضخمة من الطمي الآتية من الهضبة الإثيوبية والتي افقدتْ خزانات الروصيرص وخشم القربة وسنار أكثر من نصف طاقتها التخزينية والتوليدية.
كما أن بحيرة السد يمكن من خلال التفاوض والاتفاق أن تصبح مكاناً لتخزين المياه للسودان. فمخزون السودان من المياه في كل بحيرات سدوده الأربعة (الروصيرص وسنار وخشم القربة ومروي) لا يزيد عن 10 مليار متر مكعب (مقابل 162 مليار متر مكعب لمصر). كما أن التبخر من بحيرة سد النهضة قليل ولن يزيد عن ملياري متر مكعب (مقابل 10 مليار من التبخر من بحيرة السد العالي، وسبعة مليار من سدود السودان). وتُعْزى قلة التبخر لعمق بحيرة سد النهضة والمناخ المعتدل في إثيوبيا.

يمكن الرجوع إلى دراسة وتقرير معهد ماسشتوشس للتكنولوجيا (MIT) عن سد النهضة للوقوف على فوائد السد وآثاره على السودان، وتوصيات التقرير. وقد صدرت تلك الدراسة في شهر نوفمبر عام 2014. كما يمكن أيضاً الرجوع إلى الدراسة التي طلبها وزراء مياه دول النيل الشرقي، وتمّ إعدادها تحت إشراف البنك الدولي عام 2008، والتي توضّح فوائد سدود إثيوبيا على السودان. والدراستان موجودتان على المواقع الإسفيرية.
كما لا بُدَّ من الإشارة إلى أن مسألة سلامة سد النهضة قد تناولتها المادة الثامنة من إعلان اتفاق المبادئ والتي تقرأ:
"- تقدّر الدول الثلاث الجهود التي بذلتها إثيوبيا حتى الآن لتنفيذ توصيات لجنة الخبراء الدولية المتعلقة بأمان السد.
- سوف تستكمل إثيوبيا، بحسن نية، التنفيذ الكامل للتوصيات الخاصة بأمان السد الواردة في تقرير لجنة الخبراء الدولية."

9
كان يمكن بقدرٍ من التعاون من مصر والسودان مع إثيوبيا في خمسينيات القرن الماضي أن يكون سد النهضة (أو السد الحدودي كما كان يُعرف وقتها) بديلاً للسد العالي وخزان الروصيرص، وأن يوفّر أكثر مما وفره هذان السدان من مياه ري وكهرباء ووقفٍ للفيضانات. وكان يمكن لذلك القرار، لو تمّ اتخاذه، أن يجنّبَ السودانَ النتائجَ الكارثية للسد العالي من إغراقٍ لمدينة وادي حلفا و27 من قراها والترحيل القسري لأكثر من 50,000 نوبي سوداني، وإغراق أكثر من 200,000 فدان من الأراضي الخصبة (وقدرٍ مماثلٍ من الأراضي التي كان يمكن استصلاحها)، وأكثر من مليون شجرة نخيل وحوامض، وآثار لا تُقدر بثمن. وكان يمكن لذلك القرار لو تمّ اتخاذه أن يوفّر لمصر أراضيها الخصبة الشاسعة التي غرقت تحت بحيرة السد (علماً بأن 90% من سكان مصر يقيمون ويعتمدون على أراضي مصر النيلية التي تمثّل أقل من 10% من أراضيها)، ويجنّبها الترحيل القسري لأكثر من 70,000 نوبي مصري، وأن يوفّر المياه التي تضيع جراء التبخر في السد العالي وسدود السودان. غير أن تلك الفرصة ضاعت لغياب التعاون وتجاهل مصر والسودان طلبات إثيوبيا المشاركة في مفاوضات مياه النيل خلال خمسينيات القرن الماضي.
ثم كان يمكن أن يكون سدُّ النهضة مشروعاً مشتركا في التمويل والملكية والإدارة والمنافع بين الدول الثلاثة، كما عرضتْ إثيوبيا عام 2011. لكن مصر والسودان تجاهلتا ذلك العرض، والذي وضح الآن أن الزمن قد تجاوزه.

10
لقد أصبح سد النهضة حقيقةً واقعة قبلتها مصر والسودان صراحةً في اتفاق إعلان المبادئ الذي وقّع عليه رؤساء الدول الثلاثة بأنفسهم في 23 مارس عام 2015. ثم تأكّد هذا القبول في وثيقة الخرطوم التي وقّع عليها وزراءُ الخارجية ووزراء الري في البلدان الثلاثة في 29 ديسمبر عام 2015.
وقد أكّدتْ مصرُ قبولَها للسد عندما طلبتْ من إثيوبيا في اجتماع الخرطوم الوزاري الأخيرإضافة بوابتين أخريتين لمخارج السد. لم توافق إثيوبيا على ذلك الطلب. وبعد نقاشٍ مستفيض اتفق الوزراء الستة على تكوين لجنة فنية ثلاثية للنظر في الطلب المصري.
وكما أوضحنا أعلاه فقد انتقل التفاوض إلى الحقوق المائية لمصر والسودان، وماهو القدر من المياه الذي ستتحمّله كلٌ من الدولتين خلال فترة ملء بحيرة سد النهضة، وعدد السنوات والمعادلة التي ستملأ إثيوبيا بمقتضاها بحيرة سد النهضة. كما يشمل التفاوض بيع كهرباء السد لكلٍ من مصر والسودان. وكما ذكرنا أعلاه، فقد أصبح نصيبُ السودان الذي فشل في استخدامه محورَ الخلاف والتفاوض.

11
جديرٌ بالذكر هنا أن مصر نفسها لديها تجربة ملء بحيرة السد العالي والتي تبلغ سعتها 162 مليار متر مكعب (مقابل 74 مليار متر مكعب لبحيرة سد النهضة). وقد استطاعت مصرُ ملءَ تلك البحيرة الضخمة في سنواتٍ وجيزة، ودون أن يسبّب ذلك ضرراً لبرنامجها الزراعي الذي يعتمد اعتماداً كاملاً على الري من مياه النيل. من المؤكّد أن تلك التجربة يمكن الاستفادة منها في برنامج ملء بحيرة سد النهضة.

12
غيرَ أن الشهورَ القليلة القادمة ستوضّح إن كانت روح التعاون التي شملها وأبرزها اتفاق إعلان المبادئ، ثم أكّدتها وثيقة الخرطوم، سوف تتواصل، وتتمُّ الاستفادة الكاملة للدول الثلاثة من سد النهضة، أم أن الخلافات القديمة والجديدة سوف تطلُّ برأسها مرةً أخرى مهددةً بنسف ما تم الاتفاق عليه.
لكن الحقيقة الماثلة والتي لا يمكن تجاهلها أو غضُّ الطرف عنها هي أن عملية بناء سد النهضة قد دخلت مراحلَها الأخيرة والنهائية بعد أن أعادتْ إثيوبيا النيلَ الأزرقَ إلى مجراه الطبيعي يوم 25 ديسمبرعام 2015. وهذه حقيقةً لا مناصَ من قبولها قبولاً تاماً والتفاوض بمقتضاها، بدلاً من محاولة القفز فوقها.
كما أن الحقيقة الأخرى والثابتة دولياً هي أن التعاونَ الجادَ هو الوسيلة الوحيدة لإدارة المياه المشتركة وحمايتها والانتفاع منها بطريقةٍ منصفةٍ وقابلة للاستدامة، كما نصّت على ذلك وأكّدته اتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية الدولية التي دخلت حيز النفاذ في أغسطس عام 2014. ونهر النيل، بمياهه المحدودة والطلبات المتزايدة عليها والنمو السريع لسكانه والتغييرات المناخية الحادّة في حوضه، هو أكثر الأنهار المشتركة حاجةً للتعاون.

Salmanmasalman@gmail.com
www.salmanmasalman.org

بواسطة : . سلمان محمد أحمد سلمان
 0  0  518
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش. الوقت الآن هو 12:39 مساءً الثلاثاء 25 يوليو 2017.